ابن حزم

20

رسائل ابن حزم الأندلسي

عن العالم في قدمه وحدثه وامتداده وانقراضه يشاور العقل ويخدمه ويستضيء به ويستفهمه ، كذلك الناظر في العبد الجاني : هل هو مشابه للمال فيرد إليه أو مشابه للحر فيحمل عليه » « 1 » ؛ وكل هذا لا ينطبق على التوحيدي ، لم يكن يسافر من بلد إلى بلد « مفيدا أو مستفيدا » للدعوة إلى المنطق والفلسفة ، وهو أبعد ما يكون عن الشعور بأسباب السيادة والاستعلاء ، وهو ضيّق الصدر بالكلام والمتكلّمين على حد سواء . ومهما يكن من أمر فإنّ مؤلف هذه الرسالة يرتّب العلوم على النحو التالي : الفقه ( ومداره على الكتاب والسنّة والقياس ) والكلام والنحو واللغة والمنطق والطب والنجوم والحساب المفرد بالعدد والهندسة والبلاغة ثم التصوّف ( وهو مضاف إلى الرسالة إلحاقا ) . وباستطاعتنا أن نلحظ أنه يعدّ أربعة من العلوم الإسلامية وخمسة من علوم الأوائل ؛ فأما وضعه البلاغة عاشرا لتلك العلوم التسعة فحجته فيه أن البلاغة تتصل بكل واحد منها ، وقد منح للبلاغة ما منحه الفارابي لعلم اللسان جملة ؛ وموضع المغالطة عند مؤلف الرسالة أنه بدلا من أن يحدّد مفهوم البلاغة وأبعادها تحدّث عن البليغ الذي يستطيع بصناعته « سلّ السخائم وحل الشكائم » والذي يجب أن يبرأ من التكلف وأن يحتكم إلى سلاسة الطبع ، وبدلا من أن تجيء البلاغة عنده نتيجة لاحكام اللغة والنحو وغيرهما من الأدوات جاءت علما مستقلا بنفسه ، ولم تكن في الواقع كذلك . وبهذا خرج على القسمة الثنائية ، كما أغفل علوما أخرى كانت جديرة باهتمامه . ويبدو تأثر المؤلف بمن سبقه من المصنفين النظريين حين ألمح بسرعة إلى انقسام كل علم من علوم الأوائل إلى اتجاه عملي وآخر نظري ، كذلك هو وضع الطب والنجوم والحساب والهندسة . فمن اقتصر على الجانب العملي منها كان في درجة الصّنّاع ولم يعدّ في العلماء ، ويمكن أن نعدّ ذكره للتصوّف تأثرا بإخوان الصفا وإن كان حديثه عن التصوّف يذكّر بأبي حيان ، وذلك حين يقول : « اعلم أنّ التصوّف علم يدور بين إشارات إلهية وعبارات وهمية وأغراض علوية وأفعال دينية وأخلاق ملوكية » « 2 » ، ومجيء التصوّف في نهاية الجريدة كلها يدلّ على اضطراب في التقسيم ، كما قدّمت ، فإذا عددناه إلحاقا على أصل الرسالة فإنّا لا نستبعد أن يكون المؤلف قد اقتبسه من أبي حيان وبسببه نسبت الرسالة كلها له .

--> ( 1 ) المصدر نفسه : 109 . ( 2 ) المصدر السابق : 116 .